سمير البكوش، القيروان  1881-1939 من المقاومة المسلحة إلى المقاومة المنظّمة


حاول بعض المتورطين في الفساد السّياسي والأخلاقي والثقافي بتونس بعد الثّورة إحياء التّنافس القبلي بولايات الجنوب والوسط خاصة وإذكاء أشكال الصّراع والتّباغض والتّقاتل فيما بينها لزعزعة وحدة التّونسيين وجعلهم يتنكرون لهويتهم العربية الإسلامية وعراقتهم الّتي سجّلها التّاريخ واعترفت بها الحضارات الإنسانية على اختلافها، ولكن يجب أن لا يغفل التونسيون فتنطلي عليهم خدع الكائدين إذ عملت هذه القبائل جميعها، كلّ حسب قدرته ومن موقعه، على المساهمة في حفظ سيادة تونس وصيانة حرمتها من الأطماع الاستعمارية والمشاريع التّدميرية الخارجية.

 

المؤلّفات التي اهتمّت بهذه الجوانب الايجابية لدى القبائل التونسية يعسر عدّها.اخترت من بينها الإشارة إلى كتاب "القيروان 1881-1939 من المقاومة المسلحة إلى المقاومة المنظّمة" لسمير البكوش، أستاذ التاريخ المعاصر بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوية (29 نوفمبر1953م/ 18سبتمبر2008 ). لقد اهتمّ في بحوثه السابقة بعدة موضوعات شديدة الصلة بالشأن التونسي في القرن الماضي إذ تناول حركة طلبة الزيتونة والعمّال المهاجرين إلى فرنسا والحركة النقابية في تونس وقيادات الحركة الوطنية وأصداء اندلاع الثورة الجزائرية بالبلاد التونسية... وكان البكوش من العناصر الفاعلة في وحدة البحث حول الجمعيات التي تنشط في كلية الآداب بمنوبة.

نشر كتابه،"القيروان 1881-1939 من المقاومة المسلحة إلى المقاومة المنظّمة، سنة 2006 في 253 صفحة من الحجم المتوسط وتضمن أربعة فصول شفعت بقائمة طويلة من المصادر والمراجع بالعربية والفرنسية غلب عليها الطابع الأرشيفي والتّاريخي.

تناول البكوش في هذا الأثر بالدّرس تطور الحياة السّياسية بالقيروان انطلاقا من المقاومة المسلحة سنة 1881 ثمّ في ظلّ الحزب الدّستوري القديم ثمّ الحزب الجديد بعد مؤتمر قصر هلال و قد ركّز فيه أوّلا على بيان مظاهر التّفاعل والتأثر والتأثير بين المعطيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمدنية...بالقيروان خلال الفترة الزّمنية المدروسة، كما أبرز الدور الذّي قامت به قبيلة "جلاص" بجميع فروعها (أولاد سنداسن، أولاد خليفة، أولاد إيدير) في الحياة السّياسية القيروانية والوطنية كاشفا بذلك عن جملة من التّحولات العميقة التي طبعت النّسيج الثّقافي التّونسي لتلك الحقبة التاريخية .

يعدّ هذا المؤلف دراسة مونوغرافية هامّة راهن صاحبها على الدقة والوضوح. فإن خصّ سمير البكوش "قبيلة جلاص" ببحثه، فهو لا ينتصر للنّزعة الجهوية ولا ينحاز إلى قبيلة دون أخرى. فصرامته العلمية تجعله بمنأى عن التوظيف الأيديولوجي وتضفي على كتابه مصداقية لا غبار عليها، بل هو يساهم في مسح الدراسات الجهوية بالبلاد التّونسية كما يثري تاريخ الحركة الوطنية. من مزاياه أيضا أن البكوش اعتمد فيه على جملة من الوثائق التّاريخية والتّقارير السّياسية والعسكرية وتقارير القياد ومحاضر جلسات مجالس الجهات ممّا يجعله قبلة للمختصين في تاريخ تونس المعاصر و مرجعا مهمّا للدّراسات الأكاديمية. إلّا أنّ القارئ الغيور على لغته العربية ينزعج لما ورد و تردّد في هذه الطبعة من أخطاء شائعة في الرسم (رسم الهمزة) و التركيب كان بالإمكان تلافيها بمراجعة متأنية.

 

حميدة حمايدي