حسّونة المصباحي، أحلام أولاد أحمد الضائعة، نقوش عربية، 2018، 199 صفحة، 15 د-ت، 073256 789938 9.

 

لقد كذّبت الكتابة الأدبية المعاصرة ذلك المقال الشهير الذي بشّر فيه رولان بارط، في سبعينات القرن الماضي، ب"موت الكاتب" وباستقلال الأثر عن سلطة مؤلّفه وعن حياته. أشاد، آنذاك، رائد حركة "النقد الجديد" بالأعمال الأدبية التي تقوم بذاتها وتعمِّر عبر الزمن بمنأى عن "الأنا" معوّلة أساسا على صلتها المتجدّدة بالقرّاء. لم يَمُت المؤلِّف إذا، كما تنبّأ له رولان بارط فحسب، وإنّما اتسع أيضا مجال نفوذه وتنوّعت تجلّياته. الآن، فضلا عمّا تتسم به الأعمال الرّوائية من مزج متعمّد ومنشود بين واقع الكاتب المعيش وحكايات شخوصه المتخَيَّلة، تدعّمت لدى القرّاء والنقّاد مكانةُ السِيَرِ الذاتية للأدباء ومذكّراتهم ورسائلهم لما لها من دور في الكشف عن شبكة العلاقات التي بناها الكاتب داخل الفضاء الثقافي وخارجه: صداقاتُه ومناكفاتُه وارتباطاتُه العاطفية ومغامراتُه وغيرُها.

 

يبدو لي الرّوائي حسّونة المصباحي من أكثر الكتّاب التونسيين استبطانا لدوره المعاصر فكرا وممارسة وذلك بحضوره الصريح والمكثّف في آثاره بكلّ أجناسها. لا تكاد أعماله الرّوائية تخلو من ومضات وإشارات تُحيل، هنا وهناك، على ردهات من حياته وعلى محطّاتها الأساسية كمسقط رأسه بأحراش القيروان أومُدُنِ التِّيهِ العديدة التي وسمت مسيرته، بدءا بترشيش ووصولا إلى ميونيخ.

 

وقد عبّر في محاولاته الفكرية ومقالاته الصحفية عن وجهات نظره في الفنّ والوطن بجسارة كبيرة تنمّ عن ولعه الجليّ بالمنازلات الفكرية. عندما يشق المصباحي السائدَ في الأدب أو عندما يفضح ما يعتبره في السياسة التونسية إجماعا وطنيا زائفا، تغمره سعادة فكرية حقيقية لفرط كُفره بالمسلّمات لا سيما الإيديولوجية منها. ويحتكم في كل ذلك إلى رصيد ثقافي هائل راكمه عبر قراءاته المتنوّعة ولقاءاته مع مشاهير الفكر.  بل إنّه يعتدّ بمحصّلته تلك اعتدادا كبيرا حتّى أنّ مجادلته لخصومه -وما أكثرهم في الساحة الثقافية التونسية-تحمل طيّها إدانة آليّة للمثقّفين الذين لا يقرأون. إنّ هؤلاء، في نظره، متلبّسون بجرم جلل، شأنهم شأن من انتحل صفة أو زيّف عملة أو كالذي أخلّ بأخلاقية مهنته إخلالا جسيما. فالثقافة المسنودة أساسا بالقراءة تحظى لديه بالمكانة الأكبر ويرى فيها شكلا من أشكال الوجاهة الفكرية والرِّفْعَة الإيطيقية التي لا تضاهيها أي سلطة أخرى.

 

ازدادت هذه القناعة ترسّخا في مذكّراته إذ لم ينفكّ يولي جهدا مخصوصا لتدوين يومياته حول علاقته بالشأن العام ومجايليه، بالكتب وأصحابها. فأصدر في بداية 2008 يوميات ميونيخ التي كانت تتويجا لتجربته بالمهجر. كما نشر في السنة الفارطة حصيلة سنتي 2014-2016 في يوميات الحمّامات (نقوش عربية، تونس) ليثريها، في 2018، بكتيّب لا يتجاوز المائتي صفحة من الحجم الصغير بعنوان أحلام أولاد أحمد الضائعة، أفرده للحديث عن صداقته الطويلة والمتينة التي كانت تربطه بالشاعر الصغيّر أولاد أحمد.

1- المصباحي وأولاد أحمد: ودّ واختلاف وخلاف

يتضمّن أحلام أولاد أحمد الضائعة نصوصا تصوّر معاناة الشاعر في أيامه الأخيرة وتحكي وجع الفقد الذي تملّك المصباحي بعد رحيل صديق الأربعين سنة. ولقد تفاقم لديه هذا الشعور بسبب الخلاف الذي كان قد نشب بينهما وحال، على ما يبدو، دون أن يلتقيا في" اللحظة الحاسمة".  في السادس من أفريل 2016، أتى حسّونة مقبرة الجلاّز وواكب عن بعد مراسم الدّفن الرّسمية التي تخللتها" خطب ديماغوجية ووجدانوفية يلقيها من لفظتهم زوابع وتوابع "الرّبيع العربي". فبدا له جثمان صديقه محمّد الصغيّر "الهطّاي"، وكأنّه جثمان إنسان آخر، غريب عليه. بقي على مسافة من كل ذلك ولم يتمكّن من توديعه الوداع الأخير. فلا عُزِّي في صديقه ولا هو استطاع أن يقدّم العزاء فيه لمن يستحقّه.

يحتوي أحلام أولاد أحمد الضائعة أيضا على حوارين مع الشاعر ومقالات كان كتبها المصباحي حول تجربة أولاد أحمد الشعرية وعلى رسائل عديدة كانا تبادلا فيها وِدّا فيّاضا وتناصرا فيها ضد مكائد السلطة السياسية ودسائس خلاّن السوء طيلة الثمانينات وبداية التسعينات. لكن لم تكن ذكرى الفقيد المُحفّزَ الوحيد لنشر هذه النصوص المتنوّعة في كتاب. بل إنّ لهذا الأثر حكاية فايسبوكية ذكر المصباحي بعض تفاصيلها في "الاستهلال".  لقد جاء الكتاب ردّا على السّجال الإعلامي الصاخب الذي جدّ بعيد وفاة الشاعر وتحديدا إثر نشر المصباحي على صفحته في التواصل الاجتماعي قصيدة للمرحوم رضا الجلآلي تحمل عنوان "نحبُّ البلاد كما لا يحبّ البلاد أحد " يتداخل نصها تداخلا مثيرا مع قصيدة أولاد أحمد الذائعة الصيت.  ولقد نشرها المصباحي دون أن يفصح آنذاك عن الدوافع، فرأى في نشرها بعض الصحفيين وأصدقاء الشاعر، لا سيما زوجته، اتهاما جليّا من المصباحي لأولاد أحمد بالسرقة الأدبية، واستنقاصا منه لموهبته وتبخيسا لمكانته المتميّزة في الوجدان التونسي. كانت ردود فعلهم شديدة الانفعال خاصّة من الصحفي كمال الزغباني الذي اعتبر تصرف المصباحي تهجّما "على الراحل من خلال ادّعاءات سخيفة". فأجابه، في مقال مضاد، ساسي جبيل ليبرئ ذمّة المصباحي مذكّرا بعمق الصداقة بين الروائي والشاعر ومؤكّدا على أن مقالات المصباحي الكثيرة حول أولاد أحمد كفيلة بالرّد على الخصوم. ولكن ذلك التوضيح اليتيم لم يكن، على الأرجح، كافيا لرفع الالتباس الكبير الذي حصل. وقد لا يُرْفَعُ أبدا، حتى بعد نشر هذا الكتاب.

يشدّد المصباحي في التقديم على أن قصيدة المرحوم رضا الجلاّلي التي أوردها على صفحته في شبكة التواصل الاجتماعي إنّما كتبها صاحبُها مُعَارَضَة لقصيدة أولاد أحمد وأنّه لم يشكّك يوما في موهبة الشّاعر، بل إنّ إيمانه بتفرّد أولاد أحمد في الكتابة الشعرية دفعه إلى شد أزره ومعاضدته أيّام المحن معاضدة لا مشروطة، رغم اختلافهما في الرؤى ورغم بعض الخصومات المزاجية العابرة التي كانت تحدث بينهما من حين لآخر. وقد ضمّن المصباحي كتابه بعضَ المقالات التي كان أشاد فيها بقصيدة صديقه،" الوصية"، معتبرا إيّاها نصّا مفصليا في تجربة الشعر العربي المعاصر.

تتجاذب هذه النصوص نزعتان متلازمان ولكنّهما على طرفي نقيض. وتزدادان استقطابا كلّما ذكّر المصباحي بالعصر الذهبي لتلك الصداقة في الثمانينات. من البيّن أنّ المصباحي لا يزال على إعجابه الكبير بشخصية أولاد أحمد وعلى إيمانه بقيمة شعره إيمانا صادقا. بيد أنّه انزعج شديد الانزعاج من محتوى كتاب "القيادة الشعرية" الصادر سنة 2013 حيث تقلّد فيه أولاد احمد دور "القيادة الشعرية للثورة التونسية" ونسب لنفسه فضل الرّيادة معلنا التزامه شعريا بقضايا 14 جانفي 2011.  فأعاد هذا الكتابُ إلى الواجهة اختلافَهما القديمَ حول إشكالية الأدب الملتزم. ما فتئ تباين الرؤى بينهما أن تحوّل إلى خلاف بل إلى خصومة مفتوحة. يرى المصباحي في منحى صديقه مصادرة سياسية لدور الشاعر المنتصر لشعره و" المناهض لأيّة سلطة مهما كان نوعها". كما عاب عليه قربه المتنامي من بعض الحركات اليسارية متّهِمًا هذه الأخيرة بتوظيف كل ما يتصل بالشّاعر لغايات دعائية وحزبية ضيقة: صوره، صوته، أشعاره وحتّى موته ومراسم دفنه.

ليس من أهداف هذا المقال الأدبي التحقيقُ في الملابسات النفسية التي حفّت بنشر تلك القصيدة. ولكن وجب التذكير أن نشرها أحدث صدمة تجاوز وقعُها آنذاك دائرة الذين يتّهمهم المصباحي بالنفاق في ذكر مآثر أولاد أحمد عند مماته بعدما تجاهلوه وهمّشوه طيلة حياته. لقد أربكت القصيدة المنشورة أيضا شريحة هامّة من القرّاء والمتابعين للشأن الأدبي التونسي. ولا أظن أنّ المصباحي تفاجأ كثيرا بردود الفعل العنيفة ناهيك أنّه سعى إليها سعيا فلقد "بادر"، كما يقول في "الاستهلال"، بالرمي بقصيدة الجلاّلي على صفحات التواصل الاجتماعي كما يُرْمى "بحجر" في "مستنقع ".

في واقع الأمر، لم يستوقفني تبرير المصباحي لفعلته الفاسبوكية بقدر ما شدّني في الكتاب شعورُه، بعد رحيل أولاد أحمد، بفداحة الخسارة على كلّ الأصعدة. خلف ترسانة الحجج والبراهين التي تسلّح بها المصباحي لدحر الخصوم وإسكات من يصفهم ب "الضفادع الأيديولوجية والثورجية"، تتراءى لي بين النص والنص، في صفاء الرسائل وفي عمق المقالات أسئلة غائمة ولكنّها لجوجة وجارحة. لابدّ أنّها خالجت ذهن الكاتب إذا لم تكن قد أرّقته طويلا. فهو الذي سَبَق وأن كاتب أولاد أحمد من مينيخ في لحظة مكاشفة مطلقة قائلا: "وأنت تعرف يا صديقي أنّني أحمل في داخلي تناقضات عجيبة من دون أن يتسبّب ذلك في حدوث انفجارات رهيبة تدمّر الكيان الذي هو أنا، وتطوّح به في متاهات لا نهاية لها". لا أظنّ أن أولاد أحمد كان أقلّ منه تناقضا. فكثيرا ما سخر الشاعر، هو أيضا، في رسائله من ذاته المليئة بالمفارقات العجيبة والقابلة للتفجّر في كل لحظة. وكان طيلة حياته يخشى على نفسه من نفسه ويعيش فوضى داخلية عارمة لا تعرف للتّرتيب سبيلا. إنّ الكتاب لا يحكي ضياع أحلام أولاد أحمد لوحدها وإنّما يعبّر أيضا عن العناء الأليم الذي يلقاه صديقه، من بعده، في ترميم وِدِّهِما القديم الذي أصابه تلف أكيد: ربّما كان المصباحي قد فرّط في شيء ما، أو كان قد فوّت على نفسه رأب الصدع، أو أنّ حبّات من "عقده الأدبي والفكري" مع ذلك "الوغد" العزيز قد انفرطت في زحمة الأيّام وفي غفلة من أمريهما الإثنين معا.

2- المشاحنة والابداع

كثيرا ما نشيد بالاختلاف الفكري بين الكتّاب فيما نتجنّب التركيز على خلافاتهم، ربّما لأنّنا لا نزال نعتبر أن المناكفات التي تجدّ بين بعضهم من فترة إلى أخرى في الفضاء العام لا تعدو أن تكون حالات مزاجية وهي، وفقا لهذا المنطق، لا ترتقي فكريا أو أخلاقيا إلى مستوى أعمالهم الإبداعية. رغم أنّ جل خلافاتهم الشخصية تتأتّى من اختلافاتهم الفكرية، فإنّنا نسعى إلى حجب عِراكهم أو وضعه بين قوسين حفاظا على سمعتهم من الخدش. فهل حقّا أنّ الكتّاب المُتشاكسين لا يجنون منه غير تلك السلبيات التي نعرف؟

فعلا، يصعب التسليم، بداهة، بأنّ للعِراك الكلامي مزايا على مسيرة المبدعين. غير أنّ فحوى أحلام أولاد أحمد الضائعة تجيز طرح هذا التساؤل بل إنّها تُسْهِمُ، ولو جزئيا، في الإجابة عليه. إذا تأمّلنا مليّا مجموعة الرّسائل المنشورة طيّ هذا الكتاب، نستشعر فيها درجة كبيرة من الصدقية تعبيرا عن الذات وعن صلابة العلاقة بين الرّوائي والشاعر. لكنّها صدقية خاصّة جدّا لأنها تنطوي على مفارقة لافتة: كلّما بلغ بينهما خطاب الصراحة ذُروته، أحال على أوضاع مُجايِلِيهما من الكتّاب والمبدعين الآخرين. فيتعرّف القارئ، بفضل هذا الصفاء الكاشف، على دقائق الأمور التي حصلت وقتها في الساحة الثقافية التونسية. لأنّهما يتواصلان بصفتهما كأديبين فاعلين في الفضاء الفكري التونسي، تكتسي رسائلهما بعدا وثائقيا وتشهد، فيما تشهد عليه، أنّ العِراك الثنائي أو المتعدّد الأطراف لم يكن سلوكا شاذّا يُحفظ ولا يُقاسُ عليه وإنّما مثّل ظاهرة منتشرة نسبيا. بل إنّها تُعَدّ من سمات المشهد الثقافي التونسي آنذاك الذي عرف تَشَكّلُاً جديدا واتّسم باحتقان كبير بين كل الفاعلين فيه: سلطة وكتّابا ومفكرين، إلخ...

أميل شخصيا إلى الاعتقاد أن صداقة المصباحي بأولاد أحمد في الثمانينات ما كان لها أن تتجذّر أو أن تعمّر طويلا لولا بعدُ المسافة بين مونيخ أين استقرّ "الصعلوك الأكبر" وتونس حيث كان يتسكّع "الشاعر المتشرد". لقد تفطّن المصباحي لأهمية هذا المُعطى المكاني في ديْمُومَتِها.  يقول له في إحدى الرّسائل:" أنا أفضّل أن أخاطبك وأن أحبّك من بعيد مثلما أفضّل أن أحبّ من بعيد بلادي (....) المسافة يا صديقي ضرورية ذلك أنّها تجعل الحبّ أقوى".

كانا يتبادلان في الرّسائل أخبارا حول مشاغل كُلٍّ منهما وانطباعات شتّى حول الأحداث المستَجّدَة في تونس وهي، في مُجملها، أغراض مألوفة وعادية. بيد أنّ  توصيفَهما للوسط الثقافي التونسي توصيفا سلبيا يستوقف القارئ لتشنّجه وحدّته. إنّه الرّكن القارُّ ويحُوز القسمَ الأوفرَ في جلّ الرّسائل مستهدفا بالخصوص الفاعلين في الوسط الأدبي. بعد التنديد بظلم السلطة السياسية، يتشاكيان عِداءَ الكثير من الزّملاء لهما ويشهّران بالمتآمرين منهم والقَوّادَة وأشباه المثقّفين و"االكتّاب الذين وهبتهم الطبيعة كل ما يلزم لكي لا يكونوا كتّابا". إنّهما يصُبّان في الرّسائل جام غضبهما الشبابي والمتنمّر على الساحة الثقافية التونسية ويرميان المُشرفين الرّسميين عليها بأقذع الأوصاف. كثيرا ما يسعى المصباحي إلى التخفيف من هول "المعركة" على معنويات أولاد أحمد الذي يعيش في تونس على وقع الخصومات المتجددة، فيكاتبه مُتندِّرا:" وما هو سلاحنا غير القراءة والكتابة وشرب البيرة الوطنية؟". كان الشاعر، بدوره، لا يدّخر جهدا للذّود عن المصباحي في الدّاخل والخارج. فلقد قاد أولاد أحمد سنة 1986 حملة ضدّ بعض المشارقة اتهموا الرّوائي بسرقة أدبية وقد شارك في ذلك الهجوم المعاكس خلاّن الوفاء مثل منصف الوهايبي، ومحمّد الغزّي وسليم دولة والهادي خليل... ثمّ كاتب أولاد أحمد صديقه في ذلك مفتخرا بدحر المعتدين:

"أيّها الصعلوك، 7 ملايين نسمة، كلّهم، نعم كلّهم منشغلون هذه الأيام بالمؤامرة التي حاكها أدعياء الأدب ضدّك. إنّنا مجنّدون للدّفاع عنك. وإن كنتَ لستَ في حاجة إلى ذلك. نجوب المقاهي القذرة طبعا، ونقنع المناوئين أمثال الجاموس أبو زيّان (يقصد أبو زيّان السعدي). وإن عادت العقرب عدنا إليها بالنّعال".

يتواتر في الرّسائل كذلك التنديدُ ب«مسخ" المبدعين وب"ذبح" أصحاب المشاريع الأدبية الواعدة حتى بات التظلُّمُ طقسا من طقوس التواصل بينهما.  لا غرابة في توصيفهما للفضاء الثقافي العام بأوصاف العنف المبرّح وكأنّه بات حَلَبة للمصارعة أو ساحة للوغى، فهو يتنزّل في خطاب سجالي وذاتي جدّا يُطلَقُ فيه العنانُ لكل الأحاسيس السّلبية والمُحتقنة. إن الحديث عن الخصوم، في صخب المُمَاحكات الدّائرة آنذاك، لا يمكن أن يكون إلاّ مشحونا شحنا بمبالغات في التقدير. فكانت تشوبه، بالتّالي، تجاوزات كثيرة في التعبير تبلغ حد شتم الخصوم وتلقيبهم بألقاب مُحَقِّرَة. لكن وجب التوضيح أن هذا التظلّم لم يولَد من وهم؛ وعلى القارئ المتأمّل أن يتريّث قبل أن يضعه في خانة "حديث المقاهي" أو أن يخاله مجرّدَ ثرثرة على هامش "القعْدات" الخمرية. هو فعلا كذلك. ولكنّه يبدو لي أهمّ وأعمق من كلّ ذلك بكثير. إذا كان الثنائي قد استعمل لغة الحرب تجوّزا، فإنّ استِنفارَه كان شعورا حقيقيا في ظل احتقان عام تتجلّى أبعاده على مستويين مُتداخلين:

إنّ تَمَثّلَ المصباحي وأولاد أحمد للسّاحة الأدبية وكأنّها فضاء مُعَادٍ لهما تُحاكُ فيه ضدّهما الدّسائس إنّما هو استبطان لحيْثيات الصّراع المُحتَدِم الذي خاضه كلّ منهما ليُرسِّخَ تجربته ويُثبِّتَ مسيرته داخل الفضاء الأدبي التونسي. فالتشهير بهذا الأخير، في جانب كبير منه، يندرج في حرب المواقع التي يخوضها كلّ كاتب ليتحَوّز، في ذلك الفضاء، على مكان رمزي خاصّ به يكون منطلقا لبناء مكانته كأديب جدير بحظوة الأدباء الآخرين وباهتمام القرّاء.

لقد أسهمت كذلك العلاقة الإشكالية بين "الحاكم" وعموم المبدعين في توتير الفضاء الثقافي آنذاك. طيلة عشريات عديدة، كان جلّ المثقفين التونسيين، على اختلاف مشاربهم، يخشون اختراق السلطة السّياسية لوسطهم الذي اتّسم بالهشاشة الاجتماعية والمهنية؛ واستحال خوفُهم هَوَسًا فيما بينهم بعدما خبروا قدرة الحاكم الفائقة على استقطاب الكثير منهم سِرَّا. في هذا المجال، تتقاطع الرّسائل والمقالات الواردة في أحلام أولاد أحمد الضائعة مع شهادة حسن بن عثمان في تونس السكرانة للتأكيد على مناخات الرّيبة التي أفسدت منذ السبعينات تَعامُلَ المبدعين غير الموالين للنّظام مع المؤسسات الثقافية والإعلامية الرسّمية. ولقد طال توجّسهم من الوشاية والإشاعة الفضاءاتِ الأخرى التي كانوا يؤمّونها مثل النوادي والحانات والمقاهي.

نتبيّن من خلال هذه العلاقة الثلاثية الأبعاد أنّ الشحن ضدّ "المناوئين" و"الأعداء" لم يزد روابط الودّ بين المصباحي وأولاد أحمد إلاّ متانة ووثوقا زمن المتاهة. فجعل من صداقتهما حَميّة ضد أوضاعهما الهشّة لا تقل صلابة عن العصبية القبلية عند العرب القدامى وقت الحِرابة. كما دَرّتْ عليهما عُدوانيةُ الصّراع خزّانا من العواطف الجيّاشة كانا في أمسّ الحاجة إليها لشحذ الهمّة ومواصلة المسار. صحيح أن المشاحنة   بين الثنائي والغرماء خلّفت على المستوى الذّاتي كدمات وجروحا لا تنسى لدى كل الأطراف المتخاصمة كما أنّها أحدثت أخيرا، لا سيما بعد تلك " اللكمة" الفايسبوكية، شرخا كبيرا في "العقد الأدبي والفكري" والعاطفي بين الرّوائي والشاعر. لكن لا يمكن أن ننكر اليوم أنّ هذا الاحتقان كان قد أسهم في تحفيز جيل حسّونة المصباحي وأولاد أحمد والمزغنّي على الكتابة ولم يكن بتلك السلبية المطلقة التي كان يتذمّر منها الجميع.

إنّ القراءة الأدبية لتلك المماحكات تستوجب منّا ألاّ نستهين بدورها في تفجير الطاقة الإبداعية لدى كل من الرّوائي والشاعر. فلقد طَبَعت آثارَهما بضروب شتّى من الصعلكة الفكرية التي استطابها كثيرا قرّاء المصباحي والتي أسهمت في شهرة أولاد أحمد على نطاق واسع. وكأنّي بذلك الهرج والمرج قد ذاب في أعمالهما الإبداعية فخلُصَ من شوائب السِّجال المباشر ليتجلّى تعبيرا فنّيا عن الفكر المُمانع والمناوئ كأرقى تكريس للحرّية.

إذا كان الثنائي من أشهر كتّابنا الصعاليك، فإنّ مجايليهما مارسوا، هم أيضا، فنّ المماحكة ولو بدرجات متفاوتة وهم، في كلّ الأحوال، على بيّنة من أنّ "النّفْسْ الْمُومْنَه"، بالمعني التونسي للعبارة، لا تنتج أدبا. لأنّها تفتقر إلى تلك الشّحنة النرجسية الهائلة للإيمان بذّاتها وبإبداعها، وتعوزها كذلك الجرأة الكفيلة بالذّود عنهما في الحلبة الأدبية الصاخبة.

 

شعبان الحرباوي