سفيان رجب، السّاعة الأخيرة، مجموعة قصصية، دار ميّارة للنشر، 2018،  120صفحة، سعر 15 د.

 

لست من هواة النقد الانطباعي، بل إنّي أسعى جاهدا، في مقاربتي للنّص الأدبي، أن أتحاشى السقوط في أشراكه المغرية. في واقع الأمر، ساقتني إلى مثل هذا التوضيح قراءتي لمجموعة سفيان رجب القصصية، السّاعة الأخيرة الصّادرة أواخر السنة الفارطة عن دار ميّارة للنشر. لقد جعلتني هذه القصص في حيرة من أمري إزاءها ودفعتني، بعدما فرغت منها، إلى تقليب الكتاب يمنة ويسرة وإلى تصفّح محكياته من جديد علّني أستجلي ما يشدّني إليها بالتحديد.  من الأكيد أنّ كتابة سفيان رجب السّردية تتوفر على طاقة إغرائية هائلة بيد أنّ أسباب الانجذاب إليها لا تنكشف بسهولة وإنّما تزداد غموضا كلّما حاولتُ عقلنة علاقتي بنّصها.

 

 

1- البحث عن السّرد المغاير

تمثّل السّاعة الأخيرة باكورة أعمال سفيان رجب في القصّ القصير. لكنّ صاحبها بدا لي متمرّسا بفنون المخاتلة إذ لا ينفكّ يراودنا بوسائل شتّى على مطالعتها. فهولا يطلب ودّنا صراحة وإنّما يعوّل، لاستمالتنا، على أسلوبه الساخر: إنّه يضحكنا كلّما وضع شخوصه في مواقف لا تخطر بالبال بقدر ما يدهشنا حين ينسب إليهم أفعالا عجيبة. فلا غرابة إذا أن يستهلّ سفيان رجب مجموعته بقصّة يشكّل الضّحك محورها الأساسي. في " الجريمة الكوميدية" يشكو جميل الوردي، أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية، من فقدانه للضحك منذ مدّة طويلة وانتهى به الأمر إلى عرض حالته على الأطبّاء. فلقد جزع ممّا حلّ به جزعا شديدا وكأنّه أصيب بمرض فقدان المناعة. كان آخر عهده بالضحك يوم أن شاهد، عند مدرج العمارة التي يقطن بها، جارتَه نعيمة وهي تسقط أرضا فلم يتمالك نفسه آنذاك عن إطلاق ضحكة من ضحكاته المدوّية. ولكن بهلاك تلك العجوز اتّهِمَ جميل الوردي بقتلها وتكفّلّت السلط المعنية بالتحقيق معه في الحادثة. فَمِنَ الضّحِكِ مَا قَتَلْ.

ما أشبه حال هذا الأستاذ "العابس" الذي "يبحث عن ضحكته في ركام الأحداث والأحاديث البشرية" بحال القارئ الذي يتصيّد في ركام الكتب والرّوايات جرْعاتٍ من الهزل ومن الفانتازيا القصصية من شأنها أن تنعش فيه جذوة الذّكاء وتَقِيَه، ولو إلى حين، من "كٌبِّي" الحكايات المألوفة. وكأنّي بسفيان رجب يَعِدُ قارئه بالظفر في القصص اللاحقة بما فقده جميل الوردي في القصّة الأولى.

إنّنا ندخل عوالمَ هؤلاء الشخوص دون وسائط لأنّهم يخاطبوننا بضمير المتكلّم. وفيما يتولّى أغلبهم سرد خيباتهم والتعبير عمّا يجول بخواطرهم دون مواربة، يتفنّن سفيان رجب في تطعيم حيواتهم، من وراء السّتار، بوقائع غرائبية ومشاهد هزلية تثير الدّهشة وتستحث القارئ على أن يتمعّن مليّا في مساراتهم المتعثّرة. لذلك تبدو لي قصصه الثلاث عشرة الماثلة بالكتاب، أو في جانب كبير منها، بمثابة الأحاجي السّاخرة التي تتطلّب منّا، لفكّ إشاراتها المبهمة وألغازها، أن نبقى متيقظين فكريا. بل علينا أن نتسلّح أيضا ببعد النظر لنتجاوز فيها ظواهرَ الأشياء.

في هذا الإطار، يتساءل سفيان رجب في استهلال السّاعة الأخيرة عن أقوم السّبل لتجديد الحكي وللنّفاذ إلى مساحات سردية لم تشملها مدوّنة ألف ليلة وليلة: "لا أحد تساءل كيف قضّى شهريار وشهرزاد ليلتهما الأولى بعد ألف ليلة وليلة. إنّه الفراغ الذي تتركه فينا نهايات الحكايات." كما لا يفوته أن يؤكّد، بوصفه" نسّاجا للقصص"، على انخراطه في تجربة إنسانية وعالمية أرحب مجالا وأرسخ قدما من السردية التراثية العربية. فيقدّم مجموعته قائلا:" على طريقة بورخيس، سأرمي بقصّتي هذه في أذهانكم، وأتابع ميلاد قصص أخرى ممسوسة بمخيلاتكم، إذ أنّ هذه القصّة كان قد رماها رام في ذهني ومضى، وكانوا قد رموها في ذهنه من قبل في دوّامة من التخييل لا تُدرك لها بداية".

2-أبطال المتاهة

تدلّ ملامح أبطال السّاعة الأخيرة وكذلك مشاغلهم العامّة والخاصّة على مدى ارتباطهم الوثيق بالواقع التونسي. لقد استوحاهم سفيان رجب من كل الأوساط الاجتماعية ونزّل حكاياتهم في زمن انتفاضة2011 وبعيد ذلك بقليل. يتصدّرهم "جميل الوردي" أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية المسكون بكوابيسه الوجودية و"داليبا"، الشاب المثقّف الذي هبط من شماله الغربي إلى العاصمة بحثا عن أسباب العيش الكريم وحبّا في المغامرة. يحكي سفيان رجب أيضا في " حارس مقبرة الكومنويلف" صداقة بين شاب عاطل عن العمل و"خليفة" حارس جبّانة الجنود الأنجليز بمدينة النفيضة. ويصف في " الكلب الإيطالي" الظروف التي حفت بعلاقة جنسية خاصّة جدّا بين الإيطالية "مونيكا" و"مجيد القرن"، حارس منزلها الكائن بضواحي الحمّامات. ولعلّ قصّة "صيّاد الجثث" تترجم أكثر من غيرها حرص سفيان رجب على ترسيخ محكياته في المعيش اليومي، الآن وهنا. إذ يوثّق في هذا النص لقصّة ذلك البحّار التونسي، شمس الدّين مرزوق، الذي تخلّى عن صيد السّمك وتفرّغ لانتشال جثث الغرقى من "الحارقين" الأفارقة متكفّلا، لوحده، بدفنها قرب شاطئ جرجيس.

لكن إذا توقّفنا عند تفاصيل كلّ حكاية نتبيّن أنّ هذا التنزيل الواقعي لا يكفي لإجلاء العتمة التي تلفّ شخوص السّاعة الأخيرة بل لا يعدو أن يكون ذلك واجهة أولى تخفي واجهات خلفية من مسيرتهم يشوبها غموض كبير. إنّ جلّ أبطال المجموعة هم شخوص غير نمطية تتحرّك خارج السياقات المألوفة ليعيش كل واحد منهم، وعلى طريقته، حيّزه الزمني الذّاتي أو بالأحرى ليقضّي ما تبقّى له من العمر بعدما انقطعت صلته بالمجتمع أو كادت وبعدما لفظه التاريخ الجمعي. كغيره من الشّخوص، يجابه جميل الوردي أوقاتا غير وردية ويعيش "وحيدا في مدينة عاهرة" وكأنّه "غصن مقطوع عن شجرته".

في القصّة الحادية عشرة التي تحمل عنوان المجموعة نفسه، "الساعة الأخيرة"، يحكي بطلها بضمير المتكلّم كيف توهّم، وهو سكران، قيام السّاعة وكيف تملّكه الرّعب الشديد فقفل راجعا إلى شقّته ليحضر من نافذته على يوم الحشر. ترقّب النفيرَ طويلا، لكنّه لم يأت ولن يأتِيَ. فقام، وهولا يزال مخمورا، بحركة فاحشة مستهزئا بيوم القيامة. لا يكتفي سفيان رجب باستهجان التمثل الدّيني للنهايات الجماعية وإنّما يبتدع أيضا تصوّرا مناهضا له تماما. فعبارة "السّاعة الأخيرة"، كعنوان جامع للكتاب، تحيل، في العديد من القصص، على ضرب من ضروب الموت البطيء الذي يطال النفوس قبل الأجساد ويصيب رموز البلاد وأحداثها التاريخية بوهن شديد يفرغها من معانيها.

يتعرّض جلّ أبطال سفيان رجب إلى نوع آخر من الإفناء. ولكلّ واحد منهم "ساعته الأخيرة". إنّهم يدورون في فضاءات فردية ضيّقة سيّجها الحرمان وفاقمت من جحيمها النزعة الانعزالية لدى الكثير منهم، فباتوا غرباء في المكان والزّمان وغريبي الأطوار والسّلوك.  لقد سيقوا، اضطرارا أكثر منه اختيارا، إلى المتاهة كملاذ أخير لهم وهم، بالتّالي، أبعد من أن ينعموا بخلاص الموت السّريع والرّحيم عند "قيام السّاعة"، كما وعدت به الكتب السماوية. إنّهم يموتون كل يوم قليلا وهم أحياء لا يرزقون. إذ ينزوي خليفة وصديقه في آخر كلّ يوم داخل سور مقبرة الكومنويلث ليعيشا على ذاكرة الموتى وفي حضرتهم بمنأى عن صخب المدينة كما يئس، "في "الدّرجة 2 في قطار الجنوب"، المسمّى "محمّد باسط يديه إلى ربّه" من رحمة خالقه في الحصول على مأوى بالحاضرة ليرتئي في الأمر" فكرة زرقاء": لقد قرّر أن يسكن قطار الجنوب جاعلا منه «ملجأه الليلي وبيته المتحرّك" وأن يبدّد بذلك وقته ذهابا وإيابا بين محطّتي برشلونة وقابس نكاية في هذه "العاصمة الكلبة" وإمعانا منه في هدر الذات. أمّا مونيكا، بطلة "الكلب الإيطالي"، فقد حُرِمت من مضاجعة الآدميين لدمامتها الشديدة فروّضت كلبها الأمين على مجامعتها كل ليلة. ولمّا مات، احتفظت بجلده ولم تَرُمْ ممارسة الجنس مع حارسها التونسي، "مفيد القرن"، إلاّ بعد أن لبس جلد حيوانها المحبوب. لقد لبسه "مفيد القرن" مرارا وتكرارا فالتبس عليه أمره حتّى فقد آدميّته وعلا صوته، في نهاية القصّة، بالنباح المباح.

2- السّخرية الهادفة

صبغ سفيان رجب بعض قصصه بطابع غرائبي ليسخر من الالتباس العام الذي أحدثه الاغتراب في النفوس وقد نسج حبكاتها حول العديد من المفارقات المضحكة-المبكية ليفضح مدى تفشّي هذه الآفة في المجتمع التونسي الرّاهن. تدور الأمور في "السّاعة الأخيرة" على غير مداراتها والمسمّيات على غير أسمائها وتنقلب المفاهيم فيها رأسا على عقب حتّى أضحى القطار المتحرّك مقرّا ومستقرّا وتحوّلت المقبرة، دار الموتى، إلى مدار أخير للحياة وغدا فيها السجن المدني ملاذا للحرّية. تتواتر هذه الصورة المقلوبة في القصص بأشكال مختلفة" فاضحة للبورديل الكبير الذي نسمّيه وطنا، فاضحة لحرّاسه الذين يحاضرون عن الكرامة الوطنية"

في مشاهد عديدة من قصّة "الببّغاء" يصوّب سفيان رجب سهام سخريته اللاذعة إلى ظاهرة الورع الكاذب التي ابتُلِيَت بها تونس بعد 2011. لقد اشترى "الحاج صالح" من سوق الطيور ببغاء كان على ملك عشيقته السابقة "يمينة" وكان الطّير قد لُقِّنَ منذ الصغر جملة يتيمة في غاية الفحش لا يردّد غيرها في وجه كل من يراه. يبلغ التهكّم ذروته الهزلية في ذلك المشهد المثير عندما يخبئ الحاج صالح ببّغاءه في برنسه ويدخل المسجد للصلاة. فكلّما خطب الإمام في المصلّين واعضا ومرشدا قاطعه الببّغاء آليا بجملته الوحيدة" يا ولد القحبة" محدثا إرباكا كبيرا في المسجد.

إذا كان شخوص سفيان رجب يميلون، كعموم التونسيين، إلى تفعيل" قاموس ما تحت الحزام" للتعبير عن أتراحهم وأفراحهم، فأنّه يجب التوكيد في هذا المضمار أنّ المشهد الهزلي، كما صاغه سفيان رجب في السّاعة الأخيرة، يقوم على بناء درامي أعمق وأثرى من أن يُختزَل في الصّدى المضحك لكلماتهم الفاحشة.

وكما كنت أتوقّع، أخضع سفيان رجب انتفاضة14 جانفي وشارعها الرّئيسي بالعاصمة إلى لعبة الهزل والجدّ محدثا في سردية الحدث ثقوبا كثيرة قبل أن يصيب في المقتل مشهدية تمثال الزّعيم بورقيبة. لم يسلم ابن خلدون القابع في الطرف الآخر من الشّارع، هو أيضا، من ارتدادات هذه الكتابة السّاخرة رغم التقدير الكبير الذي يكنّه الرّاوي ل «كتابه العظيم".

لا شكّ في أنّ السّاعة الأخيرة تعيد إلى السّرد السّاخر مكانته في القصّة التونسية القصيرة بعد أن غاب عنها ردحا من الزمن لا يقلّ عن السبعين عاما. لأنّ هذه المجموعة القصصية   تذكّرنا دوما برديفتها في الماضي سهرت منه الليالي وبقدرة كل من الدوعاجي ورجب على توطين السرد الضّاحك في الكتابة توطينا تونسيا، فإنّها تحثّنا حثّا على ربط أواصر القربى الأدبية بين الكاتبيْن. لكن يبدو لي أنّ هذه القرابة لا تعدو أن تكون مجرّد انطباع عام وتستوجب، بالتّالي، تنسيبا كبيرا. فالفروق بين القصّاصيْن كثيرة وقد باعدت بينهما، فضلا عن الفجوة الزمنية الطويلة، تقنياتُ الكتابة السّردية ومضامينُها.  إذ يحدو سفيان رجب في هذه المجموعة وفي روايته الأولى القرد الليبيرالي (2017) جموحٌ إلى التمرّد على كلّ التّابوهات لا سيما اللغوية والأخلاقية منها. فهو لا يتمثّل إبداعا دون القطيعة مع السّائد مستأنسا في ذلك بتجارب ثِيرفانتيس وكُوندِرا وسِيُوران. في بحثه المتواصل عمّا يسمّيه "عجينة " القصّ المغاير، أردف رجب هذين الأثريْن بإصدار جديد تحت عنوان أهل الكتاب الأحمر (دار زينب للنّشر، 2020) ضمّنه كتاباته التّجريبية الجديدة.

 

شعبان الحرباوي