أحمد الحمر ونى، جهة جندوبة، مدائن و أعلام و مواضيع، دار سحر للنشر، فيفرى 2009، تونس، السعر 8.000 د.

لم يأت أحمد الحمر ونى، أستاذ اللّغة و الحضارة العربيّة، إلى التّاريخ عبر المسلك الأكاديمي المعهود، ولكنّه ﻤـُوثّق صارم و ﻤـُحقّق محنّك. و ما أخاله يسعى بإنتاجه الغزير والمتفرّد للانخراط في طرائق الدّراسة الجامعيّة. بل أظنّه، على عكس ذلك، جاهدا في صياغة منهج يجنّبه بعض الجوانب السلبيّة الّتي طبعت البحث المؤسّساتي. في واقع الأمر، الفرق بينه وبين نظرائه الأكاديميين لا يكمن في المنهج بقدر ما يتجلّى في طبيعة المسائل المطروحة.



حتّى أواخر القرن الماضي، لم ﻴُﻌر المؤرّخون التّونسيون، الأكاديميون بالخصوص، للذّاكرة الجهويّة و المحلّيّة إلاّ اهتماما عرضيّا. ولأن مقارباتهم لتاريخ تونس كانت تنحو في مجملها منحى الشّموليّة و التّعميم، فإنها حجبت، عمدا أو دون قصد، ملامح وأحداث و ظواهر طبعت جهة دون أخرى . في هذا الحيّز المعتّم اشتغل الحمر وني منذ عقود على مونوغرافيا المدن والأقاليم الدّاخليّة بدءا بالشّمال الغربي: فبعد نشر معجم المدائن التّونسيّة سنة1997 و إعادة نشره في السّنة المواليّة ، صدرت بدار سحر أعماله تباعا : الشّمال الغربي(2006)، بلاد باجة (7 200)، وطن الكاف (2007)، جهة جندوبة(2009) ؛ وقد اعتمد في مجملها، للتّعريف بهذه الجهات ، محاور تكاد تكون قارّة: «المدائن، الأعلام و المواضيع. ». إن هذه المباحث الثّلاثة، لما تتميز به من حرفيّة، تعريفا و صياغة ، ترتقي بأعمال   الحمر وني إلى مرتبة الموسوعة الحضاريّة ، فهي مساهمة جادّة تؤسّس لأطلس البلاد التّونسيّة.

لا أريد أن أطلق الأوصاف جزافا، فلكم عانى فكرنا من صيغ التّشبيه المطلقة. لكنّ هذه الآثار تشكّل، في نظري، تجربة فارقة في حقل الدّراسة الحضاريّة عندنا لأسباب عدّة : إنها نابعة من مشروع فرديّ و شخصيّ أخذ من العمر الكثير ومازال يطلب المزيد. الأقاليم الشّماليّة التي زارها واستقرّ بها لسنوات تمثل محطّات في رحلة يبدو انّها لم تنته بعد. قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن صورة «الرّحلة » ليست إلاّ استعارة بلاغيّة من نسج الخيال، بيد أنها تمثّل الرّابط الواقعيّ والعضويّ بين كل هذه التحقيقات. صحيح أن الحمروني يرجع، خاصّة في باب الأعلام والمعالم، إلى أمّهات الكتب في التّراث العربي الإسلامي ومعاجم اللّغة كلسان العرب لابن منظور، فيرصد الأسماء ويزيح عنها ما علق بها من تعريفات غير دقيقة أو مغلوطة . لقد ذكّر،مثلا، في كتابه الأخير بالأصول العربية و اللاتينية ﻠ« جندوبة » و « بلاّ ريجيا» و« عين دراهم » و كذلك فعل معرّفا بمدن الكاف، لربس، باجة و غيرها في كتبه السّابقة الذّ كر. من هذه الزّاوية، لا يختلف الحمروني عن غيره من دارسي التّراث؛ غير أن كتبه الّتي تحيل على كتب، تحيل هي بدورها على كتب أخرى، قد تظهره في صورة المؤرخ التقليدي الّذي يعتمد أساسا على النّقل والرّواية. إن هذا الانطباع خاطئ بقدر ما هو مجحف. سلسلة اﻹحالات على المكتوب وما تستلزمه من مقارنات وتدقيقات لغويّة ومعرفيّة مجهود أساسي لا تستقيم عمليّة التّوثيق التّاريخي إلاّ به، لا سيما وأنّ تلك المقاربات«الرعّوانيّة» الّتي تحفّ بتاريخ مدننا وقرانا لا تحصى ولا تعد؛ سمتها الأساسيّة جهل مزمن تشظّت من بأسه الذّاكرة،فتقطّعت أوصالها و تلاشى الكثير منها في غياهب الاّّمعلوم .لقد زادت في توسيع دائرة هذه المجاهل ذهنية مغاربية تقدّس المركز على حساب التّخوم، وثقافة عربيّة ترى النّهر ولا ترى روافده. فالحمروني يعي تماما أنّ التّدوين والتّوثيق الصّارمين يرسّخان الذّاكرة الجهويّة في المكتوب ، يمكّنانها من ولوج كتب التّاريخ والارتقاء إلى دائرة الضوء.                                                                                    

التوّثيق، على أهميته القصوى، لا ينسينا تلك العلاقة الحميمية الّتي ربطت الكاتب بالناس في حلّه و ترحاله: تحدّث في« الإهداء» شاكرا أصدقاءه و كل الّّذين ساعدوه ، لكن باقتضاب شديد وانضباط أشد وكأنّه يخشى التّداخل بين ما هو ذاتي و ما هو علمي. وددتُ لو أعطى لهذه العلاقة الذاتية حيّزا أكبر في مقدّمات كتبه و خواتمها لأنّها بمثابة «اللّحمة الحيّة» الّتي تربطه و تربطنا بهذه المدائن                                                                                                                ن

عناوين مخطوطاته الّتي أوردها في كتابه الأخير تشير إلى أنّه بعد تجواله بالشّمال الغربي شدّ الرّحال جنوبا صوب القيروان مارّا بأحراش سليانة و سيدي بوزيد. لا تستغربوا أمر هذا الرّجل إذا التقيتموه ذات يوم قرب برج الخضراء ملتحفا، أشعث. فلا تخالوه غريبا تاهت به السّبل. بل هو ذلك البحّاثة الّذي إذا حلّ بمكان مسحه مسحا: من الحجر إلى البشر. إن صادفتموه، إذا، في تلك التخوم الجنوبيّة، .ﻔﭑعلموا يقينا انّه جاء الصّحراء التّونسيّة يستدرجها علّها تبوح بشيء من ذاكرتها الصمّاء . فضلا عن تمكّنه من أدواته العلميةّ، للحمر وني دليل رئيس: ولعه بتونس ، أو قل ﺒ« ﺒر تونس» ، كما كان يحلو لبورقيبة أن يسمّي البلاد وفي نبرة صوته القوي نخوة الانتماء و التجذّّر. ولكن ما كان لحبّ الأمكنة أن يحوّل طموح الحمر وني إلى مسيرة فكريّة متميّزة، لو لا وعيه المبكّر بضرورة التحقيق عينا في المكان و في الزّمان والالتحام بالأرض و النّاس. فعاشر أهل باجة والكاف و جندوبة طيلة عمله كمدرّس بتلك الرّبوع؛ باشر أرشيفهم العائليّ ، و تكشّف في الزّوايا على عمق الروابط الرّوحيّة الّتي تشدّهم إلى رموز الصوفيّة من الأولياء الصّالحين المحلّيين . دوّن لحكاياتهم عن الفصل والأصل كما أحيى في كتبه ذكرى طقوسهم الغابرة. جاء الحمروني هذه المدن اثر نقلة مهنيّة عاديّة ولكنّ المثير للإعجاب هو أنّها ، في كل مرّة، تحقّق المعادلة المنشودة: نقلة، فرحلة، فكتاب.
فبئس النّقل المهنيّة الّتي أشبعنا أصحابها تذمّرا و تظلّما و ملؤوا الدّنيا نواحا!.ونعم النّقل المهنيّة الّتي أثمرت علما و فكرا، كتلك الّتي فجّرت، في أوائل القرن الماضي، الطّاقة الإبداعية لتوفيق الحكيم ، فكانت يوميّات نائب في الأرياف.
شعبان الحرباوي